زكريا القزويني

312

آثار البلاد واخبار العباد

وينسب إليها عمرو بن عبيد . كان عالما زاهدا ورعا . كان بينه وبين السفّاح والمنصور قبل خلافتهما معرفة ، وكانوا خائفين متواترين ، وعمرو بن عبيد يعاودهما في قضاء حاجتهما . فلمّا صارت الخلافة إلى المنصور عصى عليه أهل البصرة ، فجاء بنفسه بخراب البصرة . أهل البصرة تعلّقوا بعمرو بن عبيد وسألوه أن يشفع لهم ، فركب حمارا وعليه نعلان من الخوص ، وذهب إلى المنصور ، فلمّا رآه أكرمه وقبل شفاعته وسأله أن يقبل منه مالا ، فأبى قبول المال ، فألحّ عليه المنصور فأبى ، فحلف المنصور أن يقبله فحلف هو أن لا يقبله ، وكان المهدي ابن المنصور حاضرا فقال : يا عمّ أيحلف الخليفة وتحلف أنت ؟ فقال : نعم للخليفة ما يكفّر به يمينه وليس لعمّك ما يكفر به يمينه ! وقام من عنده وخرج والمنصور يقول : كلّكم يمشي رويد ، كلّكم يطلب صيد ، غير عمرو بن عبيد ! وحكي أن رجلا قال له : فلان لم يزل يذكرك بالسوء ! فقال : واللّه ما راعيت حقّ مجالسته حين نقلت إلي حديثه ، ولا راعيت حقّي حين بلغتني عن أخي ما أكرهه ! اعلم أن الموت يعمّنا والبعث يحشرنا والقيامة تجمعنا ، واللّه يحكم بيننا ! وحكي أنّه مرّ على قوم وقوف قال : ما وقوفكم ؟ قالوا : السلطان يقطع يد سارق ! قال : سارق العلانية يقطع يد سارق السرّ . وينسب إليها القاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاني . كان إماما عالما فاضلا . ولمّا سمع الشيخ أبو القاسم بن برهان كلام القاضي أبي بكر ومناظرته قال : ما سمعت كلام أحد من الفقهاء والخطباء والبلغاء مثل هذا . وتعجّب من فصاحته وبلاغته وحسن تقريره . وزعم بعضهم أنّه هو المبعوث على رأس المائة الرابعة لتجديد أمر الدين ، وله تصانيف كثيرة ، وكان مشهورا بوفور العلم وحسن الجواب ؛ حضر بعض محافل النظر وكان أشعريّ الاعتقاد ، فقال ابن المعلم : قد جاء الشيطان ! وابن المعلم كان شيخ الشيعة فسمع القاضي أبو بكر ما قاله فقال : ألم تر أنّا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزّهم أزّا ؟ وحكي أن عضد الدولة أراد أن يبعث رسولا إلى الروم وقال : ان النصارى